ابن الجوزي
271
صفة الصفوة
الدين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك . قال : فادخل . فدخلت معه . قال : فكان رجل سوء ، يأمرهم بالصدقة ويرغّبهم فيها فإذا جمعوا إليه منها شيئا اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال « 1 » من ذهب . قال : وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع . قال : ثم مات . فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه فقلت لهم : إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا . قالوا : وما علمك بذلك قلت : أنا أدلكم على كنزه . قالوا : فدلّنا عليه . قال : فأريتهم موضعه . قال : فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا . قال : فلما رأوها قالوا : واللّه لا ندفنه أبدا . قال : فصلبوه ثم رجموه بالحجارة . ثم جاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه فما رأيت رجلا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه وأزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه . قال فأحببته حبا لم أحبه من قبله فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة . قلت له : يا فلان إني كنت معك فأحببتك حبا لم أحبه من قبلك وقد حضرتك الوفاة فإلى من توصي بي ، وما تأمرني ؟ قال : أي بني واللّه ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه . لقد هلك الناس وبدّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان ، وهو على ما كنت عليه ، فالحق به . قال : فلما مات وغيّب لحقت بصاحب الموصل فقلت له يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره . قال ، فقال لي : أقم عندي . قال : فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات ، فلما حضرته الوفاة قلت له : يا فلان إن فلانا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك وقد حضرك من أمر اللّه ما ترى فإلى من توصي بي وما تأمرني ؟ قال : أي بني واللّه ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به .
--> ( 1 ) مفردها قلة وهي الجرة . .